حيدر حب الله

43

شمول الشريعة

البشر جميعهم ، غايته أنّ الغالبيّة نظّمت حياتهم عبر العنوان الكلّي ، وصبّت القانون على العنوان العام ، كما هي الحالة القائمة في التقنين عند البشر ، فيما نظّمت شيئاً من حياة بعض الناس عبر أحكام مورديّة جزئيّة ، ومن ثمّ فتكون قد استعانت بثنائي الأحكام الشخصيّة والكليّة لوضع نظامٍ لحياة البشر جميعاً ، وهذا لا مانع منه . وهذا الكلام كما يشمل الأحكام الواردة في حقّ النبيّ خاصّة ، يشمل أيضاً بعض الأحكام التي نزلت في عصر النبيّ ثم تمّ نسخها بناء على وجود أحكام منسوخة ، أو الأحكام التي جاءت في الشرائع السماويّة السابقة ثم تمّ نسخها بشريعة لاحقة ، فإنّنا بنظرة عليا يمكننا القول بأنّ الشريعة السماوية نظّمت حياة البشر في الامتداد الزمني لعمر البشريّة ، عبر ثنائي الأحكام العامّة الممتدّة في الزمان والمكان مع الأحكام الخاصّة أفراديّاً ( خصائص النبي أنموذجاً ) وزمانياً ( أحكام منسوخة أو خاصّة بعصر انطلاق الدعوة أنموذجاً ) وهكذا . وأمّا قوله بأنّ الأحكام الجزئيّة المتعلّقة بشخصٍ معيّن خارجة عن نطاق عمل الفقيه ، فهذا ما سبق لنا أن ناقشناه في كتاب حجيّة السنّة عندما تعرّضنا لموضوع خصائص النبيّ التشريعيّة والاتجاهات الأصوليّة فيها ، وقلنا بأنّ الفقيه يمكنه - في الجملة - أن يستفيد من هذه الخصائص سلسلةً من الأحكام الشرعيّة الكليّة « 1 » . وبصرف النظر عن هذا كلّه ، فإنّ الذي يبدو هو أنّ مفردة ( الواقعة ) يمكن لنا تصويرها بأحد شكلين ، يؤثران على كيفيّة صياغة قاعدة الشمول التشريعي وتصويرها : الشكل الأوّل : إنّ ( الواقعة ) هي متعلّقات الأحكام نفسها ، فلا يخلو فعلٌ من الأفعال من حكمٍ يلحقه فيكون الفعل هذا أو الترك متعلَّقاً لحكمٍ من الأحكام الشرعيّة ، ولعلّ هذا هو المفهوم المنسبق إلى الأذهان من هذه القاعدة . الشكل الثاني : إنّ ( الواقعة ) هي ظرف زمني مكاني أفرادي معيّن يحتاج إلى موقف في تنظيمه ، فالشريعة لها موقف في تنظيمه ووضع الحلول اللازمة له والتي لو اتّبعها البشر لما واجهوا مشكلةً في هذه الواقعة . ولنأخذ مثالًا ، انخفاض قيمة النقود بوصف ذلك ظاهرة ناتجة عن التضخّم ، إنّ هذه

--> ( 1 ) انظر : حجيّة السنّة في الفكر الإسلامي : 620 - 633 .